قرأت للسيد عمار بكار مقالة يرى فيها أن التفكير النقدي منطلقا هاما لاستكشاف الحقائق وفهمها ومناقشتها، فالمسلمات تؤدي للبلادة وتقتل الإبداع والحقيقة تكتشف ولا تعطى!
أذكر أنني درست هذا في قسم المناهج التربوية بكلية التربية عام1986–وأنا لقنت (!!) دبلوما تربويا (حديثا!) والحمد لله-، و”هلكوا عافيتنا” بالحديث عن المنهج الديمقراطي ومنهج النشاطات، وشبعنا في القسم نقدا للسياسة العليا للتعليم والتي دخلت -على رأي بعضهم- في عقدها الخامس دون أي تطوير أو تعديل!
لازلت أذكر بعض مفردات دكتورنا العظيم صالح جان ومن معانيها: (العملية التعليمية في عالمنا:عملية حشو وليست عملية ابداع .. عملية تحفيظ وليست عملية حوار.. او هي عملية تحميل وليست عملية تفاعل.. ) وها قد مضى على كلام أستاذي الفاضل 23 سنة ولا يزال الحشو والتحفيظ و…
أين كلامك أستاذي دكتور صالح: (دعه يخترع دعه يبدع!!)؟!!
هنا أستميحكم عذرا أيها السادة في نقل الموضوع إلى بعده السياسي والاجتماعي، فمن هنا نبدأ!
نعم القضية قضية فلسفة تربوية، ولكن صانع هذه الفلسفة هو الذي يضع السياسات العليا للتعليم، وهو لم يزل يفضل في منطقتنا العربية عموما –عدا بعض البؤر النخبوية كما أشار أيمن- تعليم الطلبة والطالبات بماذا يفكرون وليس كيف يفكرون!
المعلومة هنا، هي مربط الفرس والهدف من التعليم. حيث تكون المعلومة هي المهمة والمقدسة، ولذلك فحفظها وترديدها للتأكد من حشوها في رؤوس الطلاب !
هدف هذه الأنظمة هو خلق شعب كربوني متشابه في التفكير والإجابة..
{ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ }غافر29
شعب قطيع، لا يهم أن يكون شعبا متميزا، لأن فرعون يفرق من التميز ويعاديه!
وهو لا يبالي أن ينشأ من هذا الكبت وهذا الحشو والقولبة شعباً منتجاً (بفتح التاء) لا منتجاً(بكسر التاء) يتنافس العالم على إطعامه وتزويده بحاجياته وضرورياته الحياتية . بينما يدغدعه الفرعون وملؤه وأبواقه بأنه: (المصريين اهمه في الدنيا…حيوية وعزم وهمة) و (أنا سوري آه يا نيالي) و (سعودي وافتخر أني سعودي، الناس تنقص وانا أزودي)!!
وهنا تأتي أهمية فكرة كتاب: Pedagogy Of The Oppressed
مفهوم القهر والعلاقة بين المقهورين ومن يتسلط عليهم، وكيف يمكن للمناهج التعليمية أن تلعب دورا في ترسيخ هذه العلاقة…
كمدرس ممارس على رأس عمله أشعر بكثير مما قاله الدكتور أحمد العيسى في حلقة (إضاءات) التي أتابعها بشغف..
حين يكون الخلل في أصل السياسات العليا للتعليم، تختل الفلسفة التربوية، وتختل من بعده جملة العملية التعليمية، وتصبح الإصلاحات التي ينادي بها عبيدة وأيمن وأنا مجرد ماكياج صاخب لا يصلح لوجه عجوز شمطاء، وقديما قالوا لا يصلح العطار ما أفسد الدهر…
وهذا ما يفسر التخبط الذي نعانيه في المملكة –مثلا- منذ بدايات ممارستي لمهنة التدريس أول التسعينيات، حيث يعمد بعض الإخوة لمثل هذا (الميك أب!!) اخترعوا نظام المدارس الشاملة ثم عطلوه، ثم توالت الخطوات الفرعية في عهد الوزير المتألق محمد الرشيد، ولكنه كان طموحا في التغيير في ترميم البناء دون خطوات قوية في إصلاح الجذور…
أذكر أن أستاذنا صالح جان كان يؤكد على أن النظام الأمريكي في وضع أسئلة الاختبارات وهي عادة ما تكون، طرح أسئلة تحتها عدة خيارات، أحدها يحمل الإجابة الصحيحة. والوقت المطلوب لحلها يكون نصف دقيقة للسؤال الواحد، وأن ذلك لتدريب العقل على فرز الإجابة الصحيحة بين عدة خيارات خاطئة وبوقت قياسي .
فلما أراد بعضنا تطبيق هذه الجزئية على راهننا التعليمي، حصد ما حصدته مدرستنا التي تتبنى هذا النمط بالنسبة لطلاب الصفوف العليا SAT فإذا هو تجربة سيئة لعبت في إفشالها –مع أننا مستمرون بها- عوامل المكان والرقابة وآلية التصحيح ومحتوى الأسئلة والشروط الشكلية للإدارة!!
وجاءت العولمة، وأحداث 11 سبتمبر لتجبر القائمين في منطقتنا على تعديل المناهج، فإذا هو تعديل شكلي يتناول حذف بعض ما يغضب النظام الشمولي العالمي فقط، فصرنا أسرى لشموليات متراكمة بعضها فوق بعض!!
بينما القائمون على أمر التعليم في منطقتنا حولوا إدارات الإشراف التربوي لفزاعات تستخدم أدوات الأمن والمخابرات لمطاردة المدرس والتأكد من أنه نسخ هو الآخر وأفرغ ما في الكتب الدراسية في كراسته (الشكلية) –والتي تسمى بدفتر تحضير الموضوعات!! وما رأيت مدرسا قط –ولا أنا- يستخدمها فيشعر أنها تقدم له إضافة، لأن المواصفات التي يحتاجها (المشرف التربوي) لا تفيد غير العقلية المخابراتية التي يفكر بها ومن أوكل له هذه المهمة!!
وهذا ما جعل المدرس -وهو عماد عملية التعليم والتربية- لا يشعر بالأمان الوظيفي لا من حيث مردود الوظيفة، ولا من حيث الحرية المتاحة له في ممارسة نشاطه التعليمي بطرق إبداعية، فضلا على أن جوّ المدرسة لا يساعد كثيرا، وطبيعة المناهج، وهناك –كما أشار الدكتور أحمد العيسى-(دراسة صدرت أعتقد قبل سنتين أو ثلاث سنوات تقول أن 90%من المعلمين أنهم ليس لديهم مانع من تغيير وظيفتهم أو أنهم يبحثون عن وظيفة لو توفرت لهم في سوق العمل وظيفة مماثلة ..)!!
انظروا لهذا الكمّ الهائل من المواد النظرية في التعليم: الدين العربي التاريخ ….
ماذا لو أعدمنا ثلاثة أرباعه، وكثفنا قليلا مهارات الكتابة والقراءة الاحترافيتين، مهارات المخاطبة والحوار والنقد، عندك مهارات البحث، التفكير الموضوعي، الإبداع..
ثم أين ترابط المنهج وتكامله وتسلسله المنطقي ؟
أعود وأقول بأن أزمة التعليم جزء من أزمة ثقافية عامة، ورأس سنامها أزمة سلطة شمولية لا تريد الإصلاح التربوي إلا ما تريده من الديمقراطية ومجالس الشعب….ألقاب مملكة في غير موضعها! ديكورات تجميلية تتباهى بها، أحجار على رقعة الشطرنح تلعب بها، تماثيل غربية تقدم لها القرابين حتى يرضى عنها السيد الشمالي الأبيض لا أكثر…
نفق مظلم من التخلف والاستبداد والفساد يعشعون به ويعشعش بهم….
{وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ}التوبة46











