Posted by: إسماعيل أحمد | 28/05/2009

تعليقا على مقال د.عبدالكريم بكار (اترك مسافة) عن طبيعة العقل الجمعي

حين ابتدع عالم الاجتماع اليهودي الملحد إميل دوركايم فكرة (العقل الجمعي) كان يجتهد في فهم تطور ثقافة المجتمع، وقد أبدع حقا في تفسير بعض الظواهر، بينما بالغ كثيرا في التمحل لتفسير ظواهر أخرى تأسيسا على نظريته حول العقل الجمعي..

الشيوعيون انطلقوا من هذا الأساس رفضا وانقلابا وصراعا مع المجتمع، فكان خطابهم الفكري يجتر في كل مفرق ثقافي مصطلحات الخروج على الأصل والوصاية، والخروج على النص، ويدعو بشكل سافر وكافر بالمجتمع إلى الخروج من البيت والأسرة، وتحطيم السياج، والتمرد على السلف، ذلك الذي أسموه بـ”قتل للأب”، ومن هنا كانت انقلابيتهم الحمراء ودعواتهم (الثورية) لمخالفة الأمر وأولي الأمر!!!!!

زعموا أن الحرية التي تاجروا برفع لوائها، تعني التمرد على واقع الاستبداد والكبت السياسي والديني والعائلي على حد تعبيرهم…

ارتبطت فكرة العقل الجمعي في كتابات اليسار ومن بعده ورثته (الليبراليين الجدد) – بالاستخفاف والتمرد

من هنا كنت أتمنى على الدكتور بكار تجاوز هذا المصطلح المشبوه، مع ثقتي بطرح الدكتور وتوجيهه له، وعلمي بأن الحكمة ضالة المؤمن..

المسافة التي يدعو لها الدكتور هي ما أسميه بالتفاعل النقدي مع ثقافة المجتمع…

نعم التمرد يخلق الإبداع…

والآبائية جامدة قاتلة للمواهب

ونحن في نظرتنا النقدية من وحي القرآن الكريم، نميز بين (إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مهتدون) “وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون”

وبين التصالح مع المجتمع متمثلا في الآباء: (رب اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربياني صغيرا).

وهي تصالحية جعلت الفقهاء يقعدون قاعدة من أمهات قواعد الفقه الإسلامي الخمسة الأبرز، ألا وهي: (العادة محكّمة)

وقالوا: (المعروف عرفا كالمشروط شرطا)، مستهدين بقوله سبحانه: (وأمر بالعرف)، وفي السياق جاءت رسالة الأمة الجماعية (تأمرون بالمعروف)، وفيه جاء حديث: (ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن)

و(عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة) وهكذا كانت الدعوة لالتزام جماعة المسلمين في سياق منبت عما ييعمم من ظاهر بعض الآيات التي أشار لها الدكتور بكار وهي تتكلم عن أن أكثر الناس لا يعقلون ولا يؤمنون…

في سياق الأمة المرحومة أكثر الناس يعقلون ويسددون ويصيبون والله أعلم

ومن هنا جاء: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، وفي السياق جاءت الدعوة القرآنية لاتباع سبيل المؤمنين، ولو كان سبيل المؤمنين أنقص عقلا أو فقها أو إيمانا، لما جاء التحذير من مخالفته: (َمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (

ولست أنا من وجه الآية لمعنى الأكثرية والأقلية، فالإمام الشافعي في رسالته في الأصول هو الذي استشهد بها ليؤصل لحجية الإجماع كمصدر من مصادر التشريع، وأنا على منهجه سبق واصلت بها فكرة تحكيم الأكثرية والانتخابات والله أعلم…

إذا للمجتمع احترامه ، فلا سبيل البتة لدعوى اليسار إلى قتل الأب وتحطيم السياج كمتطلبات للإبداع والتغيير، وفي نفس الوقت، ومع الدعاء للآباء بالمغفرة والرحمة، والمصاحبة بالمعروف، فإن المسافة المطلوبة من ثقافة المجتمع المنحرفة مهما كانت عميقة هي: لا سمعا ولا طاعة، مع حميمية ترعى وشائج الرحم، وتصاحب بالمعروف بلا صراع: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)

أستميحكم عذرا على هذه الدردشة والخاطرة المملة، وبعض عذري أنني تفاعلت مع مقال الدكتور المتألق.


اترك رداً

ردك:

التصنيفات