لا زلنا نتداول في أدبياتنا كلام البنا رحمه الله أننا: (دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية) حتى ضعنا في هذا المفهوم المصري الشعبي (بتاع كلو) فلم نفلح في واحد مما ذكرنا!
ولو أننا تواضعنا ابتداء وتخصصنا لكان في ذلك خير وبركة للإسلام والأمة والدول والمجتمعات…
نحن السوريون خصوصا لنا عنجهية عجيبة، إسلامينا وعلمانينا، يمينا ويسارا ووسطا!
ربما نظن أننا أساتذة في كل شيء بما في ذلك تجربتنا السياسية، مع أن أكثر من حولنا ينجح بينما نحن منذ سنين نتخبط بناء وهدما،
ونزعم أن كل ما أصابنا من بلاء ونكسة محض قضاء وقدر لا يد لنا فيه، مع أن الله سبحانه يقول: (ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك) النساء:79
نحن نعزو الجمود بل التراجع في أوضاعنا للقدر (بالفهم السلبي)، وسنة الابتلاء، (بالمنطق التبريري) فلا نقوم أنفسنا التقويم المطلوب حتى بعد ثلاثين سنة على المحنة، نستنكف عن ذلك بذرائع أمنية وحزبية، ونسرب بعض التقويمات العامة، فيعترض عليها زيد وعبيد، فنخفف لهجتها حتى كأننا لم نقوم، ونرفض حتى الساعة الاعتراف بالجزء الذي يخصنا من الأخطاء إلا في عبارات عامة تغمغم وتلقي الكرة على الملعب الاخر –ليس ملعب السلطة بأن ما جرى محض رد فعل ولا أريد أن أخوض في هذه الجزئية لحساسيتها، ولأننا غير قادرين للساعة أن نبسطها على بساط أحمدي-، وإنما أقصد اللاعبين الآخرين في صف العمل العسكري (المقاوم) أشخاصا وتنظيمات ومحافظات و..!! بحيث يفقد ما نعلنه بين حين وحين من تقويم نكهته!
ما رآه الشيخ سلمان في تونس وما رآه الشيخ الغنوشي في سورية قبل عامين، وما رآه العريان وكتبه في مقالته الأخيرة، بلغنا جميعا، ونحن جميعا ندرك أن الإسلام في سورية وتونس بخير، وإن كان (الحركيون) لا يرون ذلك!
والفضل لله أولا، ثم لجهود المخلصين من العلماء والدعاة الذين يقيمون في الوطن، ويصبرون على لأوائه وبلايا المتسلطين عليه، بينما يثرّب بعضنا على بعضهم ببعض مجاملات سياسية بذلوها، كانت العربون المعقول، و(الشر الأدنى) لدفع ما هو أشرّ منها من تجهيل وتضليل وإغراء وفتنة، كان يسعى للتفرد بها بعض المتربصين بالإسلام وأهله سوءا، وكم كانوا سيفيدون من خلو الساحة، فكانت السياسة الشرعية التي أبدع بها بعض هؤلاء، تقدم أولى الخيرين بالعمل، مثلما تقدم أولى المنكرين بالنهي والتصدي، وكانوا على ثغرة عظيمة، كتب الله للمخلص منهم أجره، وغفر لنا ولهم..
مع الاحترام والتقدير لكل الآراء غير أنني أعتقد أن تشخيص النظم الديكتاتورية الشمولية العربية غير دقيق، وهذا ما يسبب لنا الإخفاق وراء الإخفاق في التعاطي معها !
وتشخيص النظام السوري تحديدا من خلال الزاوية الطائفية تقويم منقوص يحتاج لتكميل دون أن ننكر هذا البعد…
وحين يكتمل تقويمنا لأنفسنا، وتقويمنا لخصمنا، ستكون رؤيتنا أكمل، فنحن لم نزل في ضباب كثيف حولها، وزادنا التخبط متاهة، فلم نعد ندري أنحن معارضون ننازع النظام سلطانه، أم دعاة يهمنا أن نقول كلمتنا ونصدع بها فحسب…
فإن كنا معارضون: أنحن دعاة إصلاح تدريجي أم دعاة تغيير جذري؟
فإن كنا دعاة تغيير جذري: أنحن نريده تغيير أشخاص ومؤسسات، أم تغيير مناهج وسياسات؟
فإن كنا دعاة تغيير أشخاص: أنريده حقا تغييرا سلميا مدنيا وننبذ العنف، أم أننا حتى الساعة ندغدع المشاعر بإعداد القوة العسكرية ومعسكرات التدريب والنفير؟
فإن كنا ننبذ العنف حقا: فهل نحن نادمون على ما كان منا من عنف وعمل مسلح، أم غاضبون فقط لأننا أخفقنا في تحقيق الأهداف يومها؟
فإن كنا نادمون على ما كان من عنف: فهل سيأتي اليوم الذي نعلن فيه تقويمنا لما جرى، أم أننا سنتعلل بالذرائع الأمنية حتى يفقد التقويم أهميته؟
وهل سنملك شجاعة موسى عليه السلام حين قال له فرعون الطاغية الذي استحيا نساءهم، وذبح أطفالهم، وسلبهم حريتهم، ومع هذا كان من الوقاحة أن يجابه موسى عليه السلام بفعلته فيهم بعد ن منّ عليه: (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين*وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين)، فما كان من الذي ألهمه الله وكلمه وأوحى إليه وعصمه إلا أن بادر للاعتراف بالجزء الذي يخصه من الخطأ، (قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين* وتلك نعمة تمنّها عليّ أن عبّدت بني إسرائيل) –الشعراء-
هل نحتاج إلى شيء من هدي هذه الآيات في راهننا السوري؟











