Posted by: إسماعيل أحمد | 01/10/2009

رواية (القوقعة) جرعة من القنوط واليأس القاتل…

للتوّ انتهيت من قراءة رواية (القوقعة) للسجين السابق بتدمر مصطفى خليفة….
تحمست لقراءتها بعد أن حولت لي من أخ كريم فهمت أنها توصية منه بقراءتها، ولعلي أستغلها فرصة للنصيحة العامة بعدم قراءة هذه الرواية إلا بوجود تطعيم خاصة شبيه بهذا التعليق الذي أكتبه هنا، لأنه يعطي شيئا من المناعة والجاهزية لاستقبال هذا الكم الهائل من فيروسات الإحباط والرفض والنكد والسلبية والتجاوزات الدينية والأخلاقية المبثوثة في ثناياها…
القصة ليست أن الكاتب نصراني ملحد! فالكاتب سليل أسرة مسلمة سنية من الرقة، سجن لمدة خمسة عشر عاما على خلفية انتمائه لحزب العمل الشيوعي…وهو زوج سحر البني أخت أكرم وأنور البني وكلهم من المعتقلين لمدد طويلة في سجون السلطات السورية!
القوقعة رواية واقعية تحكي حكاية فيها اختزال وتركيز…
مؤلف الرواية مصطفى خليفة اختزل سنوات سجنه الخمسة عشر، باثني عشرة سنة قضاها بطل روايته (النصراني) بقصة اعتقال لا تختلف كثيرا عن مئات قصص الاعتقال التي اختلقها أولئك الجلاوزة المجرمون -الذين يحملون قلوب الشياطين في جثمان إنس- طوال فترة الأحداث وما لحقها من آثام وانتهاكات…
تفاصيل الرواية تسجل واقعيا شهادة جديدة على الجريمة، من خبير لا يكتب من وحي الخيال، بل هو يعيد صياغة معاناته، ويذكر تفاصيل حساسة ومهمة لا ينبئ بها غير خبير عاش المعاناة وقاساها، وليس تصورها بخيال أديب خصب فحسب…
الكاتب الشيوعي سرّب إلينا كثيرا من فلسفته المادية العدمية، وكثيرا من يساره الديالكتيكي، وكثيرا من تمرده الشيوعي على الدين والتقاليد في الثنايا….
بعض سطور الرواية يستحيي أحدنا أن يقرأها امام ابنته أو أخته لإيحاءاتها الجنسية المكثفة، وفي تصوري أن كثيرا منا سيتحفّظ على إتاحة مثل هذه الرواية لبناته وأولاده للمطالعة من منطلق تربوي…
ومن المنطلق التربوي أيضا فإن فلسفة اليأس الذي يبثها في روايته، ويكثفها في صورة ذلك الأب السبعيني الذي قتل أبناؤه أمامه ففقد صبره، وتجاوز على ربه في الشكوى وأقل أدبه! ويختمها بها، في صورة زميله الذي انتحر… هذه الفلسفة السوداء (المعكننة) تجعلني أحمل أمانة النصيحة بأن نتحسّب لها كثيرا…
محاكاة الكاتب في روايته للواقع هي المصيدة التي ربما نجحت في تسريب شيئ من هذا ذلك الصباح الذي ختمت به هذه الرواية بعد خمس ساعات من القراءة، وخرجت مني بمزيج من المشاعر المتناقضة! وأوقعتني فريسة نكد وغم وإحباط، ولم تقربني من ربي خطوة للأسف!! وهيهات أن ننال الإيمان من ملحد!
قرأت كثيرا في أدب السجون، وقرأت قصصا حقيقية من معاناة إخواننا في مصر وسورية بالسجون، ولكن الشعور السلبي الذي زرعته هذه الرواية فيّ غير مسبوق شهد الله…
مما سربه الكاتب الملحد نظرته المغلوطة للإسلامي، فهو متعصب إقصائي طائفي حتى المشاشة، وهو مستعد لقتل أخيه السوري لمجرد أنه نصراني، والمعتدل لا يقتل، ولكنه غير مستعد للتعايش، والمتعايش هو مسلم عادي لكنه لا يمكن أن يكون من المنظمين في الحركة الإسلامية…
مما سرّبه نمطيته الشيوعية لتقاليد المجتمع متمثلا في صورة ذلك الزوج الذي صوره كمجرم لأن زوجته رضيت باستقباله في بيتها بغياب زوجها!! وحكاية زميله أخوها الذي انتحر لأنه –كما رسم شخصيته- قنط من أهله الذي باعوا أخته لهذا الجمركي المتعصّب…
ليحذر الإخوة من التعامل مع هذه الرواية بمثل العاطفةالتي يتفاعلون بها مع قصص هبة الدباغ، وعادل فارس وسليم عبدالقادر ومحمد سليم حماد وأمثالهم ممن كتب عن معاناة السوريين في السجون، وأشباهها من معاناة المصريين كزينب الغزالي وحسن دوح وعلي جريشة…
بيقين لهذه الرواية فلسفة أخرى…
وهي فلسفة تتسلل لواذا، وتعمل فيكم عمل إنفلونزا الخنازير ما لم تأخذوا الأمصال المقاومة، وتحبطوا إحباطها، وتتخذوا موقفا سلبيا من سلبيتها، وترفضوا رفضها، وتتمردوا على تمردها…
واسلموا لود واحترام


الردود

  1. تحياتي . . قرأت القوقعة من فترة وأعدت دمج وصياغة بعض المقاطع منها . . الرواية جعلتني بمزاج سيء جدا لمدة يومين كاملين بل جعلتني بحالة حزن شديد . . والسبب لا يعود فقط إلى الاهوال التي تضمنتها بل أيضا بالأسلوب السردي الذي الأبدع فيه الكاتب.

    لا مشكلة في التحفظات التي طرحتها من حيث هي وجهة نظر خاصة بك، لكن أعتقد أن القهر والظلم الذي مورس في السجون يمكن له إيصال الإنسان إلى حالة الكفر بكل شيء وعليه ليست مستغربة أبدا تلك العبارات التي نطق بها الأب المفجوع بأولاده.

    الأمر الآخر، الرواية حوت ألفاظا وعبارات نابية وأحيانا قليلة إيحاءات جنسية لكنها من صلب الواقع ومن صلب ما حدث وبالتالي أيضا وجودها ليس خارج السياق أبدا.

    أيضا وأيضا، ومن باب المعاينة والمعاشرة لبعض المتدينين المتشددين المعاملة التي لقيها بطل الرواية ليست خيالية حتى لو لفتها المبالغة والتهويل، علما أن الكاتب كان متزنا في معالجة المسألة من حيث عدم التعميم ووقوف الكثير من الإسلاميين ” المنظمين ” إلى صفه دفاعا عن حياته، فضلا عن أني أجدها تحمل رسالة لأولئك الذين نصبوا أنفسهم وكلاء عن رب العباد.

    بالنسبة للنهاية التراجيدية التي حاقت بصديقه فيمكن محاكمتها من أكثر من زاوية، أنت حاكمتها من منطلق أنها نهاية سوداوية عدمية تبعث على اليأس والقنوط ونابعة من عدم الإيمان.

    وانا حاكمتها من زاوية أن القهر والظلم اللا محدود يمكن أن يأخذ الإنسان إلى حدود اللامعقول، بمعنى آخر وجدتها رسالة ضد القهر والذل.

    قد تكون معرفتك بخلفية الكاتب الفكرية هي التي جعلت تمحص وتورد تلك الملاحظات النقدية – قلت قد- لكني شخصيا لم أجد تسريبا أيديولوجيا أو فكريا في ثناياها . . يمكن لمن يريد تحميل المعاملة التي لقيها البطل بعدا أيديولجيا وأيضا مشهد تأدية الصلاة على قبر والديه بعد خروجه من السجن كنوع من تصوير الصلاة عملا اعتيادي روتيني لا يحمل بالضرورة بعدا إيمانيا.

    علما أن هذه النقط يمكن لها أن تقرأ من زاوية أخرى.

    على العموم . . أعتقد أن القوقعة بما حوته من واقع فجائعي ترقى لتكون ملحمة إنسانية بامتياز.

    بالنهاية أجد أن الأمصال التي تدعو لها ستساهم بقتل التفاعل مع الرواية وجعل القارئ يتخذ موقف المرتاب والحذر خوفا من الإنزلاق، وهو امر لا أتفق معك فيه أبدا.

    مع التقدير.

  2. سعيد بطرحك وجهة نظر أخرى في تقويم الرواية…
    مما لا شك فيه أن الرواية عمل إبداعي…
    لكنني كنت أتمنى من الأستاذ مصطفى خليفة أن يبعث فينا شيئا من نفحات الأمل… أثر الرواية على كل من قرأها ممن حولي كان كئيبا…
    وأريد أن أضيف أمرا بغض النظر عن طبيعة الرواية فهي في الأصل شهادة. وهي شهادة في ظاهر أمرها مما تسرع نفوسنا إلى تصديقها وتوظيفها.
    ولست في ميدان الدفاع عن الخصم. ولكنني بصدد التذكير بالمنهج الإسلامي في قبول الشهادة لنا أو علينا.
    هذه الشهادة لم تكتب دفاعا عنا ولا إشفاقا علينا وإنما كتبت لتوظف في خدمة مشروع صاحبها على محاوره المختلفة فلنكن حذرين
    ولا نسارع..هذا ما أردت التنبيه إليه…
    وجهة نظرك معقولة بخصوص هذا التنبيه، ولكنه مجرد احتمال…
    الاحتمال الآخر أن تكون هذه الملاحظات دعاية لها، وإن كانت غنية عن دعايتي…
    تشرفت بتواصلك أخي الكريم، وأود لفت النظر إلى أن المشاركة كما هي إنما وردت كتعقيب على إيميل دعائي للرواية من صديق كان يظنها شهادة حقيقية، وأعترف بأن ردي العفوي عليه كان يحتاج بعض التدقيق قبل النشر العام
    وأشكرك لملاحظاتك القيمة، وتواصلك الكريم
    واسلموا لود واحترام


اترك رداً

ردك:

التصنيفات